رد: مـا هو المسجد الأقصى؟..وهـل لليهود حق في فلسطيـن؟..تفضلوا لتعرفوا الحقيقـة كاملـة
صلاح الدين الأيوبي والقدس
لم يكن صلاح الدين يوسف بن أيوب قد ولد حين وقعت المأساة، واحتل الصليبيون القدس، غير أنه فتح عينيه على الحياة سنة خمسمائة واثنتين وثلاثين، وهناك صراعٌ مريرٌ يدور بين المسلمين والصليبيين، وحين بلغ السابعة كان عماد الدين زنكي يدمر مملكة الرها، ويخرج الصليبيين منها، وحين بلغ السابعة عشرة، كان نور الدين محمود يسعى حثيثًا إلى تحقيق الوحدة الإسلامية، ويضم إليه دمشق، بعد أن خيب أمل الصليبيين في الاستيلاء عليها.
بدأ صلاح الدين يظهر على ساحة الحياة الإسلامية شيئا فشيئا، في جو من التواجد الكثيف لأبيه أيوب وعمه أسد الدين شيركوه بالقرب من عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود المجاهدَيْن الكبيرين.
وفي حياة نور الدين وحكمه بدأ دور صلاح الدين، حيث صحب جيش عمه أسد الدين شيركوه لضم مصر إلى دولة نور الدين، وهي المهمة التي نجحت سنة خمسمائة وأربع وستين للهجرة، فأصبح للدولة الفتية جناحان من القوة: مصر والشام، استطاعت فيما بعد أن تطوق بهما الوجود الصليبي في الشام، حتى تلاشى تمامًا أيام المماليك.
وبوفاة نور الدين محمود سنة خمسمائة وتسع وستين للهجرة، أصبح صلاح الدين الأيوبي الأمير الأقوى في الدولة، فأخذ يطبق استراتيجيته لمواجهة الصليبيين، وعينُه على بيت المقدس، واصطدم بالصليبيين في معركة كبرى في حطين سنة خمسمائة وثلاث وثمانين، فسهَّلت له بانتصارها الكبير الطريق إلى بيت المقدس، وسار صلاح الدين بقواته إلى المدينة المباركة، وافتتحها في السابع والعشرين من شهر رجب من نفس العام، بعد غربة دامت حوالي تسعين عامًا.
//إعداد صلاح الدين للمواجهة مع الصليبيين//
كانت القدس عند صلاح الدين يوسف بن أيوب هي قلب المعركة في الصراع مع الصليبيين، وكان لابد من الإعداد والاستعداد الطويل لها، فالطريق إلى تحرير القدس ـ كما رآها ـ مملوءة بالصعوبات...
وإذا كان فتح القدس قد استغرق بضعة عشر يومًا، فإن الإعداد له استغرق حياة جيلين، منذ قام عماد الدين زنكي يقاتل الصليبيين وعينه على المدينة المقدسة.
وقد كان لازمًا لصلاح الدين، وهو يُعِدُّ أمته للمواجهة الشرسة مع الصليبية، أن يهتم بإصلاح جبهته الداخلية، لأن العدو إذا خرج من الداخل كان أشد خطورة، كما أن الجبهة المهلهلة المتفرقة لا تصبر في وجه عدو،
فاتخذ ثلاثة إجراءات كبيرة هي:
ـ الإصلاح العقائدي بإلغاء الدولة الفاطمية ودعوتها.
ـ ثم مقاومة الفتن الداخلية.
ـ ثم توحيد ما استطاع توحيده من البلاد الإسلامية.
كما اتبع صلاح الدين سياسة عمرانية واقتصادية واجتماعية تهدف إلى خدمة سعيه نحو تحرير العالم الإسلامي، وإخراجه من ورطته الحضارية، التي كانت الهزيمة والتراجع أمام الصليبيين نتيجة من نتائجها.
واحتاج تنفيذ هذا كله من صلاح الدين أن يخوض معارك شديدة الخطورة، فلقي مقاومات عنيفة، لكنها فشلت في أن تحول دون التغييرات التي سعى إليها.
//الإصلاح العقائدي//
لكي يؤتي الإصلاح نتيجته المنتظرة منه، كان لابد أن يمس النفس من الداخل، وأن يُصْلِح العِوَج الذي أصابها،
فالدولة الفاطمية الإسماعيلية التي مكثت تحكم من القاهرة جزءًا كبيرًا من العالم الإسلامي لأكثر من قرنين، رسَّخت بعض المبادئ التي لا تتفق ونقاءَ العقيدة الإسلامية، كالعصمة الممنوحة للخليفة ـ والتي تجعل قراراته بعيدة عن المناقشة أو المخالفة، مهما بدت منافيةً لنصوص الدين وروحه ـ والتأويلِ الباطني للقرآن.
وقد اهتم الفاطميون اهتمامًا بالغًا بتوصيل مبادئهم وأفكارهم وترسيخها في البيئة الإسلامية، فبثوا الدعاة، وبنوا المساجد، وأقاموا دور العلم ـ مثل دار الحكمة ـ من أجل تحقيق هذا الهدف.
وقد كان ترسيخ أفكارهم ونشرها في العالم الإسلامي يضمن لدولتهم البقاء الأطول، لذلك أشرف عليها الخليفة مباشرة. وبالرغم من ذلك لاقوا مقاومة كبيرة، ولم يجدوا عند الناس القبول التام لأفكارهم، وإن كان الأثر الشعبي للفاطميين ما زال موجودًا إلى الآن في العديد من البيئات الإسلامية، على هيئة احتفالات بالموالد وما شابهها.
كانت هناك خطوة مهمة أمام صلاح الدين وهو في القاهرة لابد أن يتخذها في سبيل الإصلاح العقائدي، وهو إلغاء الخلافة الفاطمية وجميع تقاليدها وأعمال دعاتها، وكانت مهمةً صعبة تحتاج إلى تمهل لامتصاص رد الفعل إذا كان أكثر غضبًا، فهناك مجموعة كبيرة من الأعيان يَهُمُّها أن يستمر المذهب الفاطمي والدولة الفاطمية، وكان الخليفة العباسي المستنجد بالله والأمير نور الدين محمود يحثّان صلاح الدين على إلغاء الفاطمية وإبطال الخطبة لها.
واستجمع صلاح الدين همته، وعزم على الأمر، فعزل "قضاة مصر الشيعة، وقطع أرزاقهم، وشرد الدعاة (الإسماعيلية)، وألغي مجالس دعوتهم، وأزال أصول المذهب الشيعي، مثل الأذان بحي على خير العمل بدلا من الأذان بحي على الفلاح.. بل حذف من النقش الديني على العملة المتداولة بين الناس صفة العقيدة الشيعية: عليٌّ ولي الله"، وأسقط الدعوة للخليفة الفاطمي العاضد، وجعل مكانها الدعوة للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله بن المستنجد، ولنور الدين بعده، وأزال اسم العاضد من العملة، ووضع اسم المستضيء ونور الدين أيضا، ومنع صلاة الجمعة في الجوامع الكبيرة التي كانت تبثّ الدعوة الفاطمية فى نشاط منذ زمن، كالجامع الأزهر وجامع الحاكم. وبذلك أصبحت الدولة الفاطمية في أول جمعة من سنة خمسمائة وسبع وستين تاريخًا مضى.
ولم يكن كل هذا كافيًا في الإصلاح العقائدي الذي سعى إليه صلاح الدين، إذ لابد من إعادة تسكين العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفوس الأمة التي تُعَدُّ للجهاد في سبيل الله، فأقام صلاح الدين مجموعة من المدارس التي تعتني بنشر المذهب السني، كالمدرسة المنشأة بالقرب من قبر الإمام الشافعي بالقاهرة.
رد: مـا هو المسجد الأقصى؟..وهـل لليهود حق في فلسطيـن؟..تفضلوا لتعرفوا الحقيقـة كاملـة
تحقيق الوحدة الإسلامية
وصف ابن الأثير حال المسلمين عندما بدأهم الغزو الصليبيُّ، فقال: "اتفق لهم اشتغال عساكر المسلمين وملوكهم بقتال بعضهم بعضا، وتفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأحوال".
فهكذا بدت الصورة في العالم الإسلامي حين حل الصليبيون على المنطقة ضيوفًا ثقلاء وغير مرغوب فيهم، وبسبب هذه الفُرْقة والتنازع بين المسلمين تمكنت الصليبية الغربية من ترسيخ أقدامها، وأصبحت لها ممالك ورعية تابعة في أربع إمارات كبيرة، هي: الرها وأنطاكية وطرابلس والقدس.
وحين هبَّ المسلمون في وجه الزحف الصليبي، الذي كان يسعى إلى قضم المزيد من الأرض الإسلامية، أيقن قادة المسلمين أنه لا نجاح لجهودهم في وقف المد الصليبي والقضاء عليه إلا بتقوية الجبهة الداخلية وتحقيق الوحدة الإسلامية.
وقد تعلم القائد الكبير صلاح الدين هذا الدرس ممن سبقوه على طريق الجهاد، خاصة عماد الدين زنكي ونور الدين محمود، فحرص كلَّ الحرص على تجميع شتات المسلمين، وإبعاد السلاطين الضعفاء عن مواقعهم؛ لأنهم يمثلون نقطة ضعف قاتلة في الجسد الإسلامي الذي يواجه خطر المحو.
ألغى صلاح الدين الخلافة الفاطمية سنة خمسمائة وسبع وستين، فأصبحت القوة الإسلامية تحت قيادة نور الدين كبيرة، بانضمام مصر تمامًا إلى ممتلكاته في الشام وشمال العراق، لكن نور الدين مات بعد ذلك بعامين، ولم تتح له الفرصة للزحف على بيت المقدس لتحريره، بل كادت هذه الفرصة تضيع من الأمة كلها، حين ترك نور الدين للولاية بعده طفلاً في الحادية عشرة من عمره، فتنازع الأمراء من أتباع نور الدين وأقاربه على السلطة، وحل الجد والنشاط في الصليبيين فأخذوا يهاجمون دمشق.
زحف صلاح الدين إلى دمشق ـ بطلب من أهلها ـ وضمها إليه بلا قتال في ربيع الآخر من سنة خمسمائة وسبعين فبدأت العداوات تتكاثر من حوله، وراحت الحراب توجه إليه من كل ناحية، من الصليبيين ومن الأمراء المتنازعين على وراثة تركة نور الدين، حتى استنجد بعض الأمراء بالصليبيين الذين هاجموا جيشه من إمارة طرابلس الصليبية.
ودخل صلاح الدين في حروب حول الجزيرة وحلب، وهو يحسب حساب خطواته، وعينه على الصليبيين القريبين منه، حتى خضعت له كل ممتلكات نور الدين في الشام والجزيرة العربية واليمن والجزيرة بشمال العراق، وطوق الصليبيين من كل جهات البر، وقال القائد المنتصر صلاح الدين يوسف بن أيوب: "أمور الحرب لا تحتمل في التدبير إلا الوحدة"!!
//حطين تفتح الطريق إلى القدس://
غربيَّ طبرية، وعلى الطريق المؤدية إلى القدس جنوبًا، وسط منطقة خضراء فيها زروع وبحيرة وماء كثير، تقع حطين، ويشرف عليها تل مرتفع..
كانت فلسطين في القرن السادس الهجري مملوءة بالصليبيين الذين أشعل صلاح الدين الأرض من تحتهم نارًا منذ وفاة نور الدين، فكان يفاجئهم بالحرب في مواقع كثيرة، ويختطف منهم الحصون والمدن، ويَهزمهم ويُهزم منهم، حتى جاء موعد حطين في سنة خمسمائة وثلاث وثمانين، حيث خرج صلاح الدين من دمشق في شهر المحرم، وتوجه إلى بصرى، وانتظر عودة الحجاج من الحجاز ليؤمنهم من غدر أمير الكرك الذي قتل رَكْبًا للحجيج قبل ذلك، وتعرض بالإهانة لنبي الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأقسم صلاح الدين على الانتقام منه بنفسه.
فلما عبر الحجيج سالمين، سار السلطان الناصر صلاح الدين بجنوده نحو الكَرَكِ، فنزلها "وقطع ما حولها من الأشجار، ورعى الزرع، وأكلوا الثمار".. وأقبلت القوات إلى صلاح الدين من مصر وشتى أنحاء مملكته.
وبلغت تحركات صلاح الدين مسامع الصليبيين، فأخذوا يجمعون جحافلهم، ويُجَيِّشون جيوشَهم، وفيهم ملوكهم الكبار، وخرجوا إلى صلاح الدين وقواته، وأقبل السلطان الناصر زاحفًا، "ففتح طبرية، وتقوّى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك"، ومنع الماء عن الصليبيين حتى كاد العطشُ يهلكُهم، وتقدم المسلمون حتى نزلوا حطين.
وفي يوم حار من أيام شهر يوليو، في الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، كانت حلوق الصليبيين يوم المعركة ملتهبة من العطش، وهم يحملون شعارهم المقدس، صليبًا من الخشب، وقد زينوه بالذهب والجوهر الكثير، وأسموه صليب الصلبوت؛ لاعتقادهم أن المسيح صُلب عليه..
وأخذوا يزحفون جهة صلاح الدين الذي انسحب من أمامهم ليستدرجهم إلى موضع أفضل للقتال بالنسبة لجيشه، وسيطر المسلمون على المياه ومصادرها، وأعطوا ظهورهم للأردنّ، واستقبلوا العدو في جمعه الكبير، خمسين ألفًا..
في هذه اللحظة انطلق الفرسان من الجانبين في قتال مرير، وارتفعت صيحات المسلمين بالتكبير، وقاتل الناصر صلاح الدين بنفسه، وطاف بين جنوده يحرضهم على القتال، وأمر بإشعال الأرض بالنفط من تحت أقدام عدوّه حين رأى العُشب الجاف يكسوها، فاجتمع على الصليبيين "حَرُّ الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال"، وحمل القائدُ المسلم وجنودُه حملة صادقة كان فيها الحسم، حيث وقعت في الصليبيين مقتلة عظيمة، وراحوا يستسلمون للمسلمين جماعاتٍ، فكان الرجل الواحد من المسلمين يأسر بالعشرات من الصليبيين، يقيّدهم بالحبال، حتى استسلم ملوك الصليبيين، ووقع أكثرُهم في الأسر.
وواصل السلطان الناصر سيره، حتى استولى على قلعة طبريّة الحصينة، وافتتح عكا صلحًا، "ثم سار منها إلى صيدا وبيروت وتلك النواحي من السواحل يأخذها بَلدًا بلدًا، لخلوّها من المقاتِلَةِ والملوك، ثم رجع سائرًا نحو غزة وعسقلان ونابلس وبيسان وأرض الغور، فملك ذلك كله.. وكان جملة ما افتتحه السلطان في هذه المدة القريبة خمسين بلدًا كبارًا..".
لقد فتحت كل هذه الفتوح الطريق إلى بيت المقدس، وأصبح الهدف المركزي من شن الحرب ضد الصليبية قريب التحقق،
وراح الشاعر العماد الأصفهاني يقول لصلاح الدين وجيوش المسلمين:
غَزَوْا عُقْر دار المشركين بـ"غزة"
جِهَارًا، وطرف الشرك خزيان مُطْرِقُ
وهيَّجْـتَ للبيـت المقـدَّس لوعـة
يطول بها منه إليك التشوُّقُ
هـو البيـت إن تفتحْـه، والله فاعل،
فمـا بعـده بـاب مـن الشـام مغلَــق!